محمد بن علي الشوكاني
3338
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الشارع ولا إلى أهل اللغة لم يحل لنا العمل به مع التمسك بحمل صاحبه على السلامة ، ونظير ذلك اختلاف العلماء في المسائل العلمية ، فلو كثر الله فوائده كان إحسان الظن مسوغا للعمل بما ورد عن كل واحد منهم لوجب علينا قبول الأقوال المتناقضة في تفسير آية واحدة أو في مسألة علمية ، واللازم باطل فالملزوم مثله ، وكثيرا ما نسمع من أسراء التقليد الذين يعرفون الحق بالرجال لا بالاستدلال إذا قال لهم القائل : الحق في هذه المسألة كذا أو الراجح قول فلان ، قالوا : لست أعلم من فلان ، يعنون القائل من العلماء بخلاف الراجح في تلك المسألة ، فنقول لهم : نعم لست أعلم من فلان ، ولكن هل يجب علي اتباعة والأخذ بقوله ، فيقولون : لا ولكن الحق لا يفوته ومن يشابهه من العلماء ، فنقول لهم : لا يفوته وحده لخصوصية فيه أم لا يفوته هو وأشباهه ممن بلغ إلى الرتبة التي بلغ إليها في العلم ، فيقولون : نعم لا يفوته هو وأشباهه ممن هو كذلك ، فيقال لهم : من الأشباه والأنظار في علماء السلف والخلف آلاف مؤلفة بل فيهم أعداد متعددة يفضلونه ولهم في المسألة الواحدة الأقوال المتقابلة ، فربما كانت العين الواحدة عند بعضهم حلالا وعند الآخر حراما ، فهل تكون العين حلالا حراما لكون كل واحد منهم لا يفوته الحق كما زعمتم ، فإن قلتم : نعم ، فهذا باطل ، ومن قال بتصويب المجتهدين ( 1 ) إنما يجعل قول كل واحد منهم صوابا لا إصابة ، وفرق بين المعنيين أو يقول القائل في جواب مقالتهم فلان أعرف منك بالحق لكونه أعلم إذا كان الأسعد بالحق الأعلم فما أحد إلا وغيره أعلم منه ، ففلان الذي يعنون غيره أعلم منه فهو أسعد منه بالحق فلم يكن الحق حينئذ بيده ولا بيد أتباعه ، وهذه المحاورات إنما يحتاج إليها من ابتلي بمحاورة المقصرين الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون أسرار الأدلة
--> ( 1 ) تقدم مناقشة ذلك مرارا .